السبت، مارس 06، 2010

خالد

(1)
يدخل شارع القهوة متمهلاً يتبعه كلب أسود أجرب، يسحب كرسياً ويجلس وحيداً ويطلب الشاى ويتجاهل المعارف الجالسين ببرود كما يتجاهلونه، والكلب يقعى تحت قدميه وينام، يمر عليه فلان ويجلس مثرثراً دون رد، وعلان يمر ويلقى السلام ماداً خطواته من أمامه رهبةً، وهو على كل من هذا وذاك، يسمع ويهز رأسه ويتأمل وجه السماء، يشرب شايّه وينهض صامتاً هو والكلب دون ربع كلمة.

(2)
وفى ليلة لا تختلف عن باقي الليالي، كان جالساً وسط جماعته على المقهى نائماً وشخيره الرتيب يزيد الليلة ضجراً، لكن الجالسين كلهم كانوا يتكلمون ويثرثرون من غير حرج !!، فجأة !، أفاق من نومه بلا سبب، رفع رأسه وهزّه يميناً ويساراً ثم مضمض فمه بالماء وبصقه أسفله، ثم انتظر إلى أن سادهم الصمت، وبمجرد أن انتهى منها، خفض رأسه على صدره صامتاً ولم تمر ثلاث دقائق وراح شخيره يملأ الكون.

(3)
المرئيات مهتزة كعادتها لحظة الإستيقاظ، أبعد الغطاء الرمادي عن جسده بحركة واهنة من قدمه، ثم نهض معتدلاً مستنداً على ذراعه فى إصرار بطئ، تحسس ملابسه التي لم يغيّرها منذ أيام بحثاً عن موبايله، أراد إرسال رسالة "كلمني.. شكراً" المجانية لصديقه الطبيب الذي يطارد أبيات الشعر فى جنبات وأركان عنابر المرضى بالقصر العيني، دسّ أصابعه فى جيب الجينز الضيّق ولم يجده، وتكاسل عن البحث عنه فى أي مكان آخر حوله، لكنه أخرج عدّة أوراق نقديّة ضئيلة لا تكفى إلا لمواصلات اليوم الموعود وثمن وجبة إفطار واحدة تمنحه القدرة على التحرك المتزّن، حاول أن يتذكر أيّة تفاصيل غير التي حفظها عن ذلك اليوم لكنه لم يستطع، كل ما يعرفه أنه بعد ثلاثة أيام سوف تقبض يده أوراق نقديّة أكبر من تلك التي فى جيبه، فشل في تحديد الوقت بالنظر إلى الضوء المتسرّب من النافذة، لم يعرف إن كان الضوء ربانياً أم كهربائياً، خمّن أنه العصرّ الآن، الأصوات الصاعدة من حركة الشارع أسفل البيت بددت شعوره بالوحدة والخوف، حلّ حزامه من حول خصره ثم رفع بنطاله المتسخ إلى أعلى وأحكم إغلاق الحزام هذه المرة ضاغطاً بشدة على بطنه الخاوية منذ صباح الأمس، لا يفكر إلا بشيطان الجوع الذي يزحف متسللاً على جسده النحيف الهزيل، وهو يزحف هارباً منه بنوم إجباري ملئ بالأحلام عن الركض مع نخل يجري فوق صفحة جدول نيلي صغير، وكان كلّما شعر بفراغ معدته قبل النوم حلم بالركض بجانب الجداول النيلية، ذكره الماء بعطشه الذي يجزّ عنقه بسكين ناري، وفكر أنه لو استطاع القيام ليشرب فلسوف يبحث عن موبايله المفقود، خرج رنين الموبايل من مكان ما خفي قريب، فصار يلقي بالأشياء في هوس بعيداً بحثاً عنه، ضغط زرّ التحدث دون أن يرى اسم المتكلم، وفي نهاية المحادثة ألقى بالموبايل بعيداً في يأس من احتمالات تغيّر حظه اليوم، حتى إنه نسى إرسال الرسالة المجانية إلى صديقه الطبيب كي يخرجه من الغرفة الليلة، تقلّب على جنبه عائداً إلى النوم، وهو يشد الغطاء الميري الثقيل إلى جسده، أصدرت أمعائه أثناء تحركه أصوات مكتومة، ابتسم رغماً عنه، فقد اعتقد أن عصافير بطنه قد ماتت جوعاً منذ فجر اليوم، لكن جوقة العصافير تلك أثبتت أنها لا زالت حيةً تصرخ من وقت لآخر مثله.

(4)
كنا نسافر سوياً
من ليل قبلي إلى ليل بحري
عابرين زحام القاهرة
وكان يتمنى في قرارة عقله الإسفنجي
لو طار الأتوبيس..
وارتطمت ألواحه النحاسية
بجدران الخرس الخرسانية
فيمزق بشق أبيض نهاري
لوحة السماء المظلمّة

(5)
ضباب رقيق يغشي فضاء الشارع، وبناياته تتوارى تدريجياً وتتحول إلى أجسام هائلة كائنة بلا أيّة تفاصيل، وأسفلت الشارع الأسود يبدو فى لمعانه كالمرآه بعد يوم مطير، تتشكل برك موحلة صغيرة على سطحه المتعرج، ثرثرة فارغة وجدل بلا معنى وضحكات ميتة تخرس بقوة البرودة الشتوية، وتبقى رائحة السِكر في الأنفاس المتجمدة، صقيع زاحف مقابل دفء منحسر، فقد الرفاق مقدرتهم على تحديد الإتجاهات بمجرد أن خرجوا من المقهى، فظلوا واقفين في مكانهم حائرين، تضاعفت طبقات الضباب حتى ملأت المكان، أحسّ بوٍحدته فجأة، انفصل عنه رفاقه وضاعوا دون وداع، سار بضعة خطوات مترددة، ارتقت مشاعر الخوف إلى عقله، خطر له أن يجري حتي يخرج إلى شارع أوسع أو ميدان أرحب، لكنه توقف ولزم مكانه، فقد تكاثف الضباب فى الهواء حتى انعدمت الرؤية.

(..خاتمة..)
ويقوله: يا ليل اسكت شوية عايز أكتب.. والليل مابيسكتش
يقوله: يا ليل اخرس.. والليل ما بيخرسش
وقالك إنه طلع مطوته وفتحها فى حركة استعراضية وشق بيها بطن الليل
فضل باصص له في السما شوية.. وبعدها كمّل كتابة على الورق..

ليست هناك تعليقات: