الجمعة، أبريل ١٦، ٢٠١٠

عين على الطاولة

كان الضوء الأبيض يسقط على الموجودات، بينما كانت الظلمة تحيط بمركز الحدث. هو.. كان يلهث في غضبه، تدافعت صور عشوائية أمام ناظريه وكلمات حمقاء في فمه، لكنه ظلّ صامتاً محدقاً في سطح الطاولة، أمّا هي فكانت حائرة ولم تدر ما العمل في ثورته هذه؟، وضعت يداً مترددة فوق يده الموضوعة على الطاولة، لم تلحظ ارتفاع صدره باللهاث المتزايد، جذبت يده إليها بين راحتيها ثم قالت برفق:
- إيه ؟، بالراحة على نفسك، عايز تقول إيه؟
رفع عينيه المشتعلتين بسورة الغضب، وجذب يده بعنف من بين يديها هاتفاً:
- إيه اللي بتعمليه ده !؟، شيلي إيدك..
أزاح الطاولة من أمامه ثم نهض وغادر المكان كله، ظلّت تنظر في دهشةٍ إلى كرسيه الشاغر، ثم أشاحت بوجهها بعيداً، فكرت أنه سوف يندم لاحقاً عندما يعيد التفكير فيما حدث الآن، وربما لا ؟، استطاعت تبدد دمعة بغلق عينيها قبل أن تنزلق فوق وجنتها، ثم نهضت وتركت المكان كله مثلما فعل، بينما بقى الطاولة والكرسيان
منتظرين في موضعهم حتى حلّ إظلام المشهد العنيف عليهم.

الجمعة، أبريل ٠٢، ٢٠١٠

نهار مضروب

دخلت من مكتب مأمور النقطة على مكتب الأمين اللي كان بيخلص ورقي، كان لابس راس الإله آنوبيس أو الإله تحوت، معرفتش أفتكر وقتها بالظبط، بس فكرت أرفع له إيدي وأقسم له "أنا لم ألوث ماء النيل"، من غير ما يبص عليّ قالي من جوه الراس المقفول، "ما تبقاش تصطاد هناك تاني بدقنك دي عشان دي فيها حبس"، بصيت له واترسمت على وشي ابتسامة استهزاء خفيفة، رمى لي بطاقتي على طرف المكتب وارتاح على الكرسي ومدّ نفسه عليه، وأنا خارج من نقطة البرج اتحسرت على السنارة وكيس الطعم اللي اشتريته من الميدان ليلة إمبارح واتنهدت، اتمشيت لحد المحطة، كنت عشان أهدى من البهدلة اللي حصلت لي على ريق الصبحيّة، قعدت أدعي لجدي بالرحمة، لما وصلت المحطة طلعت أول عربية التلفريك لاقيتها في وشي، رغم إن العربية كان أغلبها فاضي، رحت قعدت جنب واحدة ست في الأربعينات، كانت اليافطة العريضة اللي جنب شباكي منقوش عليها "محطة برج الجزيرة"، استنينا لحد ما طلع السواق قطع لنا التذاكر، وقعد على كرسيه وسحب دراع العربية، فضلت العربية تزمجر وتزيّق لحد ما طلعت، لما بقينا فوق النيل، خبطت على كتف اللي قدامي وسألته:
- هو بيروح على فين ؟
لما بصّ لي شفت عينيه سوده بسّ حواليها حلقة زرقا كأنها عتبة بتفصل بين السواد والبياض، رد عليّ:
- بيخلص في روض الفرج
هزيت راسي، وسألته تاني عشان أبص في عينيه:
- وهي الساعة كام دلوقتي ؟
- الساعة حداشر ونص وخمسة
الست اللي جنبي فتحت شنطتها وطلعت إبرتين تريكو وبكرة خيط وقاعد تشتغل وتنشغل فيها، بصيت من الشباك، لاقيت فردين حمام بيض بيتسابقوا جنب العربية الطايرة، ما كنتش طايق أتفرج على النيل ولا أبص من خنقتي منه رغم الشمس الطالعة اللي سطعت عليه، مديت إيدي في إيد الست وأخدت منها الإبرتين والكوفيه، وقعدت أشتغل فيه بدالها لحد آخر السكة.

الخميس، مارس ٢٥، ٢٠١٠

دكّة في محطة

الحياة لما تقعد في أوضة، كل الأوض بحيطان، كل الحيطان بتخنق، بتعمي، بتخرس،
البيت رغم الشتا كله حبال مشانق متعلقة، بخار ميّة يطفي العيون ويعصر الرقاب،
سابت الكنب الحزين الناعم،
وخرجت بره بيتها طيف من نور، وتلاقي مسلكها لحد آخر الشارع.
..
هسْ هسْ .. اسمع
الجو هيرقص، ويطبّل، ويصفّر، شكشكة الخوف وعضة البرد في شارع وحلة، والليل كحلة، بتظن لأول وهلة إنه ده بيتها، كان حلمها الصغير إنها تنام على أرض الشارع رافعة راسها، وشها في وش الليل، ونجومه في عيونها بتبرّق، بتغمز، بتغمّض، واللُمض ألف نجمة منوّرين في الضباب الحيّ، تفتح إيديها في وشهم وتفقلها وكأنها بتملك كل شئ فيهم، وتشوط الحصى برجليها، فيجري بعيد، ويفضل يجري من غير نهاية.
عند آخر الشارع عدوا السهرانين متكلفتين في كوفياتهم وبلاطيهم، بيمدوا ويختفوا في الضلمة، إلا الكنّاسين بيتمرجوا بمقشاتهم خطوة قدام، وخطوة ورا في حركة رقص.
إسم محطة المترو بارز بحروف كبيرة، ومقلة نص الليل فاتحة أنوارها تكشف ساحة الشارع، والمحمصة تدور بنارها تسّوي السوداني والحمص، جت ريحة سخنة في خياشيمها فتحت نفسها، اشترت لروحها قرطاسين، مشيت بيهم ودخلت المحطة.
قعدت على الدكة الأخيرة وفضلت مستنيّة أول قطر.

الأربعاء، مارس ٢٤، ٢٠١٠

.. الجولة الثانية

... كنت أراقبها جيداً من أعلى المدرج في منتصف المحاضرة، لم تكن تحادث أحداً، وكان يبدو عليها الشعور بالملل، في لحظة ما رفعت رأسها متطلعة كأنها تشم أو تسمع شيئاً بعيداً، ظلت تدير رأسها يمنةً ويساراً، ثم قامت من مجلسها وصعدت فوق المقعد - نظراً لقصر قامتها بين زملائنا- بين الطلبة والأستاذ الجامعي، ومدت ذراعها جانبها وأخدت تهز يديها وقالت:
- هش هش هش هش هش هششششششششششش
ظلت تفعل ذلك حتى سكت الأستاذ وسكتت الثرثرة المنتشرة في المدرج تدريجياً، تطلع الجميع إليها مندهشين من فعلها الغريب والوقح، كانت هناك ثلاث فتيات يثرثرن معاً جانباً، فهتفت فيهن:
- بس !
فسكتن.
فتح الأستاذ فمه معترضاً:
- إيه ؟ أأ...
- الله !
ثم استدارت إليَّ وأشارت بسبابتها وإبهامها وزأرت قائلة:
- أنتَ، عايز تقول حاجة ؟
أخذتني المفاجأة، وأشرت إلي نفسي متعجباً، هززت رأسي نافياً وأجبت مستنكراً:
- مين؟ أنا؟.. لأه!.. أبداً!.. إزاي؟ أقول إيه يعني؟
ضيقت عينيها ريبةً ثم ابتسمت ابتسامة ذات مغزى فبادلتها الابتسام الماكر.