‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصصية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصصية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، مايو ٠٩، ٢٠١١

دورة العمل

إلى محمد مستجاب -رحمه الله-

أفاق من غفوته عندما سقط رأسه على صدره، نظر يمينًا ويسارًا، واطمئن أن لا أحد يراه، الكل مشغول في عمله تقريبًا. مسح لعابه السائل فوق شفتيه بيده ونهض من مكتبه، ثم خرج إلى الصالة الرئيسية، نظر إلى الساعة، الثانية عشر مساءً. شرب سيجارة، وتأمل الشارع من النافذة، أحس بملل الإنتظار يأكله، لم يأت إلى العمل اليوم إلا للإنتهاء من إنتظاره الطويل.

هبط إلى الدور الثالث. تجوّل بين المكاتب، مكتب التحرير، مكتب المتابعة والتحليل، سلّم على الزملاء، وتبادل الأحاديث حول حركة التغييرات الجديدة، عبر مكتب الشئون سريعًا كي لا يراه إبراهيم. في مكتب التصديقات، سأل على الأستاذ عباس، لم يأت إلى العمل اليوم، قرأ تاريخ اليوم على نتيجة الحائط، ثم خفض رأسه إلى صدره وزفر زفرة حارة.

صعد إلى الدور الخامس. صادف أمنيّة على الدرج، حيّاها بابتسامة زائفة، ردت عليه بتحية الصباح وتوقفت، فكّر ألا يتوقف من أجلها، لكنها سدت عليه طريقه. سألته عن أحواله، سألها عن رئيس الهيئة، أجابت أنها لا تدري. ربع دقيقة من الصمت مرّت، بدت وكأنها دهرًا مميتًا، كانت ترسل فيها نظرات تحمل إليه رسائل لا يريد استقبالها. تنهّد ثم ودّعها وأكمل صعوده.

دخل مكتب السكرتيرة. ألقى التحيّة عليها وجلس، انتظر حتى انتهت من مكالمة التليفون، ثم سألها عن رئيس الهيئة، لم يأت إلى العمل بعد، أخبرها أنه لا مانع لديه من الإنتظار. دخل الساعي حاملًا صينيته، سألته إذا كان يحب أن يشرب شيئًا، فنجان قهوة، عادت إلى أوراقها المتناثرة فوق سطح المكتب. حاول قضاء الوقت والتودد إليها ببضعة أسئلة واستفسارات لكنها كانت منشغلة تجيبه من بين الأوراق، هل باستطاعته التدخين، ومتى سيحضر بسلامته، وهل هناك أية أخبار عن الطلب الذي تقدم به إلى رئيس الهيئة، نظر إلى الساعة الموضوعة على المكتب، الساعة الثانية عشر وخمسة عشر دقيقة، الوقت يمضي في الهيئة أبطأ من كل ساعات العالم. طرق الساعي الباب، الرئيس هنا، خرجت السكرتيرة مسرعة، ثم عادت بعد عشر دقائق، الرئيس مشغول وسيغادر إلى مقر الوزارة خلال نصف ساعة، رفع رأسه إلى أعلى يائسًا وأطلق سبة في سره.

هبط إلى الدور الرابع. مر على مكتب زميله أسعد، اشتكى له توقف الحركة داخل الهيئة، الوقت والإجراءات، وتساءل يائسًا لماذا يطير اليوم في الخارج بسرعة بطريقة يبدو معها الوقت هنا جحيمًا أبديًا؟ طلب أسعد له كوبًا من الشاي، لكنه لم ينتظره، وقام يتجول بين المكاتب الأخرى في ردهة الدور، سليم يقرأ الجرائد، هناء تثرثر مع كريمة وهي جالسة على مكتبها، توفيق يشرب قهوته بلا أية عمل آخر. عبر الصالة الرئيسية، ونظر إلى الساعة، الساعة الواحدة وخمس دقائق.

اكتشف أنه أمام مكتبه.
ظلّ واقفًا.

الثلاثاء، أبريل ٠٥، ٢٠١١

علاقة

هبت نسمة باردة في وجهه من رصيف المحطة عندما انفتحت أبواب قطار المترو التي كان يقف خلفها تماماً، هبط من القطار تائهاً بعد أن اصطدم بالركاب الصاعدين والتفت يميناً ويساراً بحثاً عن المخرج.
كانت تفاجئه من حين إلى آخر أثناء محادثاتهما بسؤالها الهستيري "أنتَ مش حَ تسيبني لوحدي؟".
قدّر من المرّة الأولى علّة سؤالها المتكرر على الرغم من كم الابتذال الذي يحمله بسبب مباشرته ووضوحه، فإن مرورها بعدد لا بأس به من العلاقات الخائبة مع الرجال منذ أن بدأت في الإرتباط بهم نتج عنه خوفها المرضي من الفشل والانكسار الذي أرغمها على استباق أحداث بينهما بمثل هذه الأسئلة.
كان يعجب كيف لإمراة مثلها تخشى الإخفاق كل هذه الخشية؟ لأنه ظن أنها ستكون أقل رهاباً من اللواتي لم يجربن الارتباط بالرجال من قبل، حيث أنها ستكون أكثر دراية بأسباب فشل التجارب العاطفية، ثم توصل إلى أنها ربما دخلت أغلب علاقاتها حاملة فوق ظهرها تاريخها الثقيل الذي لا تراه إلا أسوداً ولم تعتبر شيئاً إيجابياً مما مضى عليها، بل ربما كان سبب إخفاقها الأول هو أنها أدخلت تجربة إحدى صديقاتها الفاشلات في تجربتها الأولى، وربما كان سبب فشل الأخيرة منها سؤالاً كهذا.. لا أحد يدري، فكل هذه التصورات تبدو ساذجة ومضحكة !..
لكن الحقيقة الآنية أنه قد بدأ يضيق بذعرها هذا، والحقيقة التالية أنه قد خطر له بالفعل أن يتركها، لأن جروحها القديمة أصبحت تثير قلقه وتوتره حيال علاقتهما وتهدد بقاءهما معاً، بنفس القدر التي تدفعه إلى التمسك بها لأكثر من سبب، منها افتتانه الأول وانجذابه تجاهها، ومنها رغبته القوية في حمايتها من ضعفها، وإحساسه الداخلي بالواجب الإنساني العام، لذا كان يعهد إلى نفسه مسؤلية إحساسها بالطمأنينة.
كان يعلم إن أسئلة مباشرة مثل "أنت لسه بتحبني؟" و"أنتَ مش حَ تسيبني لوحدي؟" لا تصلح معها إلا الإجابات الحاسمة والصادقة، ولا يجدي التهرب منها داخلياً أو خارجياً. لكنه وجد في كل هذه الأسئلة نتيجة استفهامية واحدة أنه إذا كان بالفعل يحبها ولا يريد أن يتركها، فلماذا ينزعج من السؤال؟
قطع رنين جرس الهاتف المحمول في جيبه أفكاره، كان هي المتصلة، أجاب شارد البال، وأنهى المكالمة بكلماتٍ مقتضبة سريعة.
*
سارا متقاربين في مشية بطيئة متجهين إلى الميدان الواسع. كان الصمت سائد بينهما طوال الطريق، وكلاهما غارقاً في أفكاره الخاصة عن الآخر بعد لقاء فاتر.
عندما وصلا إلى بداية الشارع المظلم، ثبتا في مكانيهما لحظة لأن أضواء كل أنوار الدكاكين والمحلات وأعمدة الإضاءة العمومية في الجانب الآخر من الميدان غشيتهما فجأةً كإبر دقيقة توخز أعينهما بقوة، وارتفعت كل ضوضاء الميدان إلى أذنيهما صارخة من ضغط الضجيج.
ثم راحت الأضواء والضوضاء تخفت تدريجياً.

الاثنين، فبراير ١٤، ٢٠١١

بوسة

أمرتنى أمي أن أصعد لأبلة (سامية)، كي أقضى عندها وقتاً حتى يتسنى لأمي الذهاب إلى الطبيب، كنت أشعر بالسعادة لأن (إيمان) إبنة أبلة (سامية) التي تكبرني بثلاثة أعوام سوف تجالسني هذه المرة، فقفزت إلى أحضان أمي وقبلتها. قالت لي قبل أن أخرج من باب الشقة، "ما تتشاقاش، هه؟".
تسلقت السلم درجة درجة ممسكاً بالحاجز الحديدي، وضوء النهار يسقط من أعلى حتى أسفل السلم، أكملت صعودي ثم توقفت عند الباب لاهثاً، طرقته طرقة خفيفة ثم تراجعت. فتحت لي أبلة (سامية)، كانت ترتدي ثوباً منزلياً باهت اللون، رحبت بي ودعتني للدخول، وسألتني في لطف "بقى عندك كَم سنة دلوقت؟"، أجبتها "سبعة ونص"، وبينما كنت أعبر طريقي إلى غرفة (إيمان) سمعت أصواتاً تعلو، فالتفت التفافة خفيفة ورأيت عمّ (عبد الباقي) في غرفة الجلوس مع رجل آخر، أكملت سيري نحو الغرفة، طرقت بابها مرتين قبل أن أسمع صوت إيمان يهتف "أدخل".
وجدت (إيمان) واقفة في منتصف الغرفة كأنها تنتظرني، قالت لي "تعالى اقعد يا حسين"، ثم تركتني وخرجت من الغرفة وجذبت الباب وراءها. كانت غرفتها الصغيرة منظمة، يتوسطها سرير عريض وسجادة حمراء مستديرة، ودولاب ملابس عريض يغطي أحد حوائط الغرفة، تقف فوقه عدة دمى. فكرت أنني عندما أعود إلى غرفتي سوف أرتبها مثلما رأيتها ترتبها من قبل. كنت أحب مجالسة (إيمان) لي، حيث أنها كانت الأقرب إلى سني، ونادراً ما رفضت اللعب معي، ومشاركتي القصص التي كنت أرويها لها.
عادت إيمان تحمل صندوقاً مغلقاً. لاحظت أنها متجهمة، وضعت الصندوق فوق السجادة، حاولت أنا نزع غطاءه ولم أفلح، ففتحته هي، وأخرجت منه بعض الألعاب الصغيرة والدمى، وجلست أفكر بماذا نلعب هذه المرّة، قلت لها "تحبي تلعبي بإيه؟"، قالت شاردة البال "أي حاجة"، فعدت أخيّرها حتى أجعلها تنتبه "تحبي تاخدي البنت والولد وأنا أرتب العيال على الكراسي؟"، كررت بنفس شرودها "أي حاجة"، صحت فيها، فأخذت الدميتين من يدي بعنف ووضعتهما أمامها، شعرت بالحزن، عدت للبحث عن ما تبقى من الألعاب والدمى التي أخرجتها، وبينما كنت أبحث داخل الصندوق وقعت يدي طائر خشبي دقيق الهيئة بلا رأس، هتفت من الإعجاب "الله ! حلو قوي .. بس فين بقيته ؟"، أجابت ضجرة "بابا كسرها"، فتشت داخل الصندوق عن بقية الدمية حتى وجدت الرأس، أخذت جسد الطائر ثم جمعته برأسهِ لكنه لم يلتصق فيه، اعترضتني (إيمان) بصوتٍ حزين "ما تحاولش.. مش هيتصلّح"، فكرت قليلاً وأنا أنظر إلى الطائر، ثم أخذت أحاول إصلاحه بطرقٍ عديدة حتى استطعت ثبيت رأس الطائر في جسده والتئم جزءا الدمية ببعضهما.
اختطفت (إيمان) الطائر من بين يدي في سعادة، ثم رفعته عالياً وحركته يمنى ويسرى في وضع الطيران ثم ضمته إلى صدرها، اتسعت ابتسامتها على شفتيها، كم سعدت لحظتها بنظرات الفرح التي كانت تغمر بها طائرها الخشبي، ظلّت تردد عبارات الشكر والعرفان قائلة "أنا أحب اللعبة دي قوي"، ثم أخرجت قطعتين من الحلوى المغلفة وأهدتهما إليَّ، في تلك اللحظة شعرت بالخجل من امتنانها ولم أدر كيف أجيبها، فاقتربت منها وقبلتها على وجنتها سريعاً أثناء انشغالها باللعب بطائرها، أدارت وجهها إليَّ في ذهول بينما كنت أعود إلى موضعي السابق بجانبها، وأخفضت وجهي إلى الأرض، سكن كل شئ للحظات، وشعرت بالخطر في هذا السكون، ثم سمعتها تقول بصوتٍ مبحوح "هأقول لماما" وانطلقت تجري خارجة من الغرفة، قفزت خلفها لكنني لم أستطع اللحاق بها فبقيت في مكاني خائفاً، فكرت دقيقةً بالتسلل خارج الشقة، لكن أمي لم تعد بعد من عند الطبيب، شعرت بالرهبة وظللت في مكاني على الأرضية خائفاً، هل ستخبر والديها؟
سمعت صوت أبلة سامية ورنين أواني معدنية تسقط، فاقتربت من باب الغرفة، ورأيت (عم عبد الباقي) يقطع الصالة إلى المطبخ ووراءه الرجل الآخر الذي كان جالساً معه، تراجعت إلى طرف السرير والتصقت به، لم أعرف ماذا يحدث ؟، ولا أعلم لِمَ تخبر إيمان أهلها؟!
مرّ وقتاً حتى دخل الرجل الغريب عليَّ الغرفة، انحنى وأمسك ذراعي بقوة وجذبني كي أقف، جلس على المقعد وأنا بين يديه، نظر إليَّ بحدة من فوق إطار نظارته ثم سألني، "إسمك إيه يا حبيبي؟"، أجبت برهبة:
-حسين
- بابا فين يا حسين؟
- .. مسافر
أطلق زفرة حارة وصمت قليلاً، ثم سألني:
- أنتَ عارف أنا مين ؟
هززت رأسي أن "لا"، فقال،"أنا خال إيمان"، ثم أضاف:
- أنتَ عارف إن اللي عملته ده غلط؟
- أنا متأسف.. ما كانش قصدي يا عمّو.. هي اديتني البونبوني وأنا كنت بأشكرها.. أء..
قاطعني لائماً، "أنت عارف إنه ما يصحش الولاد يبوسوا البنات؟"، لم أعرف كيف أجيبه، أبعدت نظري عن وجهه بينما كانت الأصوات القادمة من خارج الغرفة تعلو أكثر، سمعت عمّ (عبد الباقي) ينادي الخال، "يا مصطفى.. يا مصطفى"، صاح الخال، "أيوه"، ثم نهض تاركاً إياي وخرج مغلقاً الباب خلفه بقوة، هدأت الأصوات مرّة واحدة، ظللت صامتاً مترقباً ما سوف يحدث، مضت الدقائق وأنا أنظر إلى الباب المغلق والملابس المعلقة فوق المشجب، كنت أود الخروج من هنا، اتجهت إلى الباب، لم أجرؤ على فتح باب الغرفة وإلقاء نظرة خارجه، نظرت من ثقب المفتاح فلم أرى إلا كنبات غرفة الجلوس شاغرة، وضعت أذني على الباب وأرهفت السمع فلم أسمع شيئاً، كأنه لم يعد هناك أحد بالمنزل، التقطت الطائر الملقى على الأرض بينما كنت أعود إلى المقعد، تذكرت القبلة الخاطفة، وفكرت في أمي، ماذا سوف تقول وتفعل إذا أخبروها بما حدث؟، انتظرت عودة أمي بصبرٍ نافد، أخفيت وجهي بين يديَّ، ثم تطلعت إلى الباب مرّة أخرى.

الأحد، يناير ١٦، ٢٠١١

الحَكّة

كلما سمع أقداماً تصعد أو تهبط الدرج، قفز من السرير، حتى يبدو عليه أنه كان مستعداً للمغادرة. لم يعد إلى السرير هذه المرة، فقد كرهه بعد أن بقى فيه ساعات الليل والنهار كلها لا يفعل شيئاً إلا أن يحملق في السقف، ظل واقفاً عند النافذة يتأمل في بلادة الأضواء المنبعثة من الأعمدة القريبة وأصحاب المتاجر الجالسين عند أبواب متاجرهم والسيارات العابرة والمارة، لم تكن في يده ساعة يتعرف بها على الوقت، لكن انطلاق أذان المغرب أثار توتره، حكّ رأسه بقوة مفكراً، أزعجه أرق الليلة الماضية، قلّب فكرة النوم في خاطره مرة أخرى، لكنّه إن لم يغادر الآن فسوف يقع شجارٌ عنيفٌ بينه وبين شريكه في الشقة.
ترك النافذة ودخل دورة المياه حيث التقط قميصه الكالح، امتعض لاتساخ بدنه من كثرة النوم والإستيقاظ حتى أصابته الحكّة في أماكن عدّة، تثاءب وفكر في نوبة استحمام سريعةٍ، وبينما كان ينزع قميصه مرة أخرى، سمع طرقات سريعة عالية، أفزعته، جحظت عيناه، وأمسك أنفاسه، شلّت أطرافه، وتأهب متحفزاً، سمع أقداماً بطيئة تصعد الدرج وأخرى سريعة تهبطه، ارتدى قميصه على عجل، ثم تأكد من إغلاق الباب، مرت دقيقة بطيئة صامتة لا يُسمع فيها إلا ضربات قلبه القوية المتسارعة، ثم تمالك نفسه أخيراً وخرج مديراً عينيه الجاحظتين في أرجاء الشقة، لم يجد أحداً غير الضوضاء الصاعدة من الشارع.
أراد أن يشرب كوب شاي واحد يهدئه قبل المغادرة، وضع البراد تحت حنفيّة الماء وفتحها، وجد أن المياه مقطوعة عن الشقة كلها، وتذّكر أن شريكه أغلق المحبس بالدور الأرضي قبل ذهابه إلى العمل، حتى يرغمه على الرحيل بعد أن فصل من عمله وانقطع عن دفع نصيبه في الإيجار لشهورٍ عديدة، أعاد التفكير في احتمالات صعوده في كل لحظةٍ تمر، سرت في جسده رعشة لمرور ذلك الخاطر في عقله، ربما يستطيع التوسل إليه لأن يبقى يوماً آخراً، جاب الردهة القصيرة المؤدية إلى الغرفة فارجاً ساقيه وهو يحك النيران المشتعلة ما بين فخذيه متردداً بين البقاء والمغادرة، عاد إلى السرير حيث سحب حذاءه، تقدم تجاه الباب في خفة وفتحه، هبط الدرج حذراً، ثم قفز خارج المنزل إلى الشارع العمومي مسرعاً حتى يتجنب مصادفته في الطريق.
فى شارع الرئيسي أحس الليل حاراً ولزجاً، دس سيجارة بين شفتيه، وظل يمشى بها سليمة، أوقف أحد العابرين وأشعل سيجارته، سحب أنفاساً متلاحقة، تنهد بارتياح، طوّح ساقيه في جهة نهاية الشارع إلى النيل، سأل نفسه هل يستطيع العودة إلى الشقة لالتقاط ما تبقى من أشياءه؟، لكنه لم يجد إجابة واضحة داخله. عند الكورنيش، عشاق وأزواج متراصين مثل الأشجار التي يجلسون حولها، وكوبري ممتد حتى الضفة الأخرى من النيل يحمل فوقه مئات السيارات، جلس على أحد المقاعد الشاغرة، ثم خلع حذاءه ووضعه بجانب المسند كيلا يسرقه أحد، ومدد جسده على المقعد وأسند قمة رأسه إلى المسند ورقبته فوق الحذاء واضعاً ذراعه فوق عينيه حاجزاً ضوء الشارع البرتقالى عنهما.
مرت الدقائق تليها الساعات وهو يقف فوق الحاجز الذي يفصل بين اليقظة والنوم، يغفو ويفيق، تضايقه همسات المحبين وخلافاتهم، شرطى يتحدث فى جهازه اللاسلكى، ولا يكف عن إصدار التوجيهات وإرسال الضحكات السمجة، أطفال يلاحقون بعضهم البعض بثيابهم المتسخة حول مقعده ويتقاذفون فيما بينهم مخلفات الشارع، زقزقة العصافير على الأغصان، الحرارة والرطوبة التى تجعل الجو كالصمغ، لم يصدق أنه قد نام حقاً إلا عندما استفاق تماماً وأدرك أن الوقت صار فى آخر ساعات الليل.
استقام فوق المقعد، تثاءب طارداً النعاس، فك صدر قميصه، مرر يده فوق عنقه وصدره اللذان يغمرهما العرق، ظل يحكّ جسده بأظافره الطويلة ثم قام من مكانه، تساءل لماذا شعر بالقلق وأحسّ كأن شريكه يراقبه أثناء نومه؟، نزل الدرج الصغير حيث النيل والقوارب المعقودة إلى الشاطئ، قفز إلى واحد منهم، كان يعرف أحد أبناء أصحاب هذه القوارب، وجد صاحب القارب العجوز يجلس مقوس الظهر على حافة قاربه، التفت العجوز وراءه ليرى القادم، فألقى السلام عليه، لكنه لم يرد عليه سلامه، لاحظ أن العم العجوز يمسك بين يديه كوباً من الشاى، التفت جواره فوجد البراد على نار الموقد الصغير يغلى وعدّة الشاى بجانب الموقد، سأله عن ابنه، فأشار إليه برأسه حيث القارب الذى يضج منه أغنية شعبية وتتراقص أضواءه باهتزاز القارب يمنةً ويساراً من رقص ركابها جميعهم عليه.
حضّر شاياً لنفسه، أمسك بالكوب من قاعدته، وسحب سيجارة من جيب قميصه، أشعلها من نار الموقد، ثم وقف على حافة القارب المهتز، شرد قليلاً وقلب فكرة فى نفسه، انحنى ووضع الكوب الذى لم ينتهى منه، وسحب نفساً أخيراً من سيجارته ثم أطفأها في قاع الكوب، نزع قميصه وبقى ببنطاله الجينز، وانحنى مرة أخرى على الماء ومسح ذراعيه ورقبته وصدره العارى بالماء البارد، ثم استعد في وقفة مستقيمة وقفز فيه، غاص للحظات ثم ظهر على سطح الماء، اقترب من القارب، وفرك كتفيه ونحره عدة مرات، شعر براحةٍ وبخدرٍ لذيذٍ يتسلل إلى أصابع أقدامه، مدّ ذراعه وانطلق يعوم، ويعوم مع تيار النهر المظلم، والعجوز يراقبه بعينين ناعستين.