الخميس، يوليو ٢٨، ٢٠١١

من وحي أرض رجل – رجل

بعد سنين، بعد سن الخمسين، وهزايم تقيلة ومش نبيلة، وخساير ما لهاش مكاسب تعوضها، كانت عادة كل يوم إنه بيصحى بكابوس، يقعد على كرسيه الخاص ويتفرج منه على الماضي في شاشة التلفزيون المطفي.

الثلاثاء، يوليو ١٢، ٢٠١١

من وهم المرايات

-بإلهام من سمية ربيع-

5 يوليو 1944:
ميدان الأوبرا، والأزبكيّة جنة العشاق في زمنهم، على باب السينما مرسوم أفيش "رصاصة في القلب"، والساعة مستنيّة عقاربها تدق اتنين، لاجل الميدان يتملي طرابيش لابسة بدل على قمصان. كانت الشمس كبيرة وعالية، واقفة على دماغ الناس زيّ الحقيقة الواضحة، صالبة شعورها أسياخ تنخس ضهور الناس.
وكان فيه بنت وولد على الرصيف ماشيين، حاضنين إيدين بعضهم بحبّ غرقان في ميّه عرق الخجل والخوف، هوّ كان لازم يلحق يروّحها البيت، وهيّ افتكرت لحن "بلاش تبوسني في عينيَّ" لما شافت الأفيش على الحيطان معروض.
على طرف الناصية وقبل ما يعدّوا الشارع وقفوا لحظة، حسّ إن فيه شئ بيشكّه، وما كانش عارف.. هوّ ده الحب اللي في قلبه؟ ولا قلقه من التأخير على المواعيد؟ ولا العرق اللي سايل تحت قميصه؟ عدى قدامهم عربجي بكارو شايل فوقيها مراية عريضة عريضة، عاكسة فيها صورة الميدان كله، بسّ الولد ما شافش من دا غير نفسه والبنت جنبه إيدها في إيده وقرص الشمس فوقهم زيّ الحقيقة الواضحة، شاف فيها باقي عمره منسوخ من اللحظة ديّه، والصورة ديّه.
لسّه العربجي بيعدي بحماره بالراحة جنب الرصيف، وهوّ على لسانه كلمة حُبّ حَ يقولها، جت بدالها نظرة واحدة طويلة طويلة، بتتكلم من غير نقط وحروف، والإبتسامة بعدها اترسمت على الشفايف هادية ومش خايفة من التأخير، وقرص الشمس اتقسّم بسن المراية الفايتة شموس أصغر.

5 يوليو 1977:
ميدان الأوبرا، والأزبكيّة جنّة للعشاق بسّ مقفولة، على باب السينما منشور أفيش "أفواه وأرانب"، والساعة بتدق اتنين إلا ربع في الفوّالة، اتنين إلا عشرة عند الكخيا، اتنين إلا خمسة في عدلي، واتنين في الألفي. والشمس الكيّادة فاردة شعورها خراطيم تنفخ لهيب يسيّح كل الجوامد.
وكان فيه بنت وولد على الرصيف ماشيين، من زحمة الناس يقفوا كل خطوتين، والحَرّ لفّ حوالين رقابهم حبال من خيش وخلي طعم الكلام في حلقهم ماسخ، والحيرة اللي اتجمدت في قلوبهم دلوقتي بتتسرّب من بين ضوافرهم. كان سهل يتوهوا وسط الناس ويروح كل واحد في طريق وحده، بسّ السؤال اللي خايف من الإجابة، "إيه اللي كان قبل؟ إيه اللي يبقى بعد؟"، قيّدهم في بعض، لأن كل شئ مع الإجابة حَ ينفلت بعيد ومش راجع.
على الرصيف وقع لوح قزاز واتدشدش تحت رجليهم، الطريق اتفرش كسور وشظايا، ومن صورة واحدة بقوا ألف صورة متنتورين، ألف إيد وألف بق وألف عين. البنت حسّت إن الشمس اللي لمعت في فتافيت القزاز خزقت عيونهم بكل كره قديم وقسوة ممكنة، ودلوقتي هيّ خايفة من عماها تمد خطوة قدامها.
وبصّت في عيون الولد، كانت جفونه بتبربش على إجابة فيهم بترتعش.

5 يوليو 2011:
ميدان الأوبرا، والأزبكيّة جنّة العشاق المنسيّة، على باب السينما منشور أفيش فاضي مكتوب عليه "قريبًا" ، والساعة ممكن تدق اتنين في أي لحظة محتملة، والشمس كوره من الدهب بتتدحرج على وشّ العالم بتقل مؤلم، وتفتح جروح الناس بلسعة كرابيجها.
وكان فيه بنت وولد على الرصيف ماشيين، هوّ دايخ والدنيا في عينه مايلة، مايلة على صدره الضعيف، وهيّ بتشبك نفسها في الأرض برجلين زيّ الفراخ، ولو تسلّم نفسها للنسيم السخن راح تختفي في عين الشمس، وكان التاجر القاعد في محله ورا البتارين كأنه ملك الزمن نفسه بيتفرج بعين ناعسة على الناس الجاية والرايحة، والبتارين هي شاشة تلفزيونه اللي بيشوف فيها كل ألوان الحياة.
أما الولد والبنت، فما حدش غيرهم من الماشيين خد باله إن البتارين بتعكس الصورة الكاملة، شافوا فيها الشمس كابسة فوق ضهر العالم، والناس غايمة زيّ البخار، بسّ فين هيَّ وفين هوَّ؟ كانوا أرفع من العواميد، وأطول من الشجر، أعرض من العربيات، وأقصر من الدكك، فيهم شئ بيضم سوا كل معنى ونقيضه.. الأمل واليأس، السعادة والحزن، الخيال والواقع، أو يمكن معنى أكبر من إن يكون له دليل في فهرس المعاجم.
مطرح ما عدّوا سابوا ابتسامات واسعة على كل البتارين، كسفوا الشمس الحامية وفضلوا ينوّروا في الميدان بدالها لحد المغرب وطول الليل.

الأربعاء، يونيو ٢٩، ٢٠١١

شظايا الزمن الفاصل

 -22-
أنا قلبي فرد حمام يطير ويرجع لي.

-23-
كل ما ألمس روح تتحول فراشة تطير ما ترجعشي.

-24-
كل ثورة بتنتفض.. كل حب بيتجدد.. العالم بيترعش لها كأن الكون بيتخلق من الأول تاني.

-25-
ممكن نتفق، مثلًا.. أنا أكبر والزمن يفضل يعيّل!

-26-
على كل شئ متأخر. كل قطوراتي على كل الأرصفة بتفوت.

-27-
افتكروا دايمًا إني عشت حياتي بأقاوم النعاس والنوم.

-28-
قالت لي: الحيّة اللي لسانك مش أكتر من فرّيرة صوتها عالي حبتين.

-29-
ربنا نحَت ملامحي بإيدين آلاف الأمهات.

-30-
الأوقات اللي ما كانش لها لا طعم ولا لون ولا ريحة في الذاكرة، بمرور الزمن اكتسبت من الخيال طعمها ولونها وريحتها.

-31-
ما عادش عندي كريمات تنفع لعلاج التشققات النفسية.

-32-
لأني أعمى، مضطر أخبط في الأحضان الغلط قبل ما إيدينا تتلاقى.

-33-
أقل شئ ممكن ينتصر على الموت.. زيّ إن النهار يتلون بجمال كلمة "صباح الفلّ".

الأربعاء، يونيو ٢٢، ٢٠١١

زيارة للسيّدة

القطار دخل المحطة بشويش وانفتحت أبوابه. نزل منها واحد شايل سلّة أكبر منه بعشرة الضعف، وبيتسرب من قعرها خيوط من رمل الأسود. لولا تقل الشيلة والحطة كان نزل وطي يبوس حديد القضبان واليافطة المكتوب عليها (السيدة زينب).

في طريق السّد البراني والرجلين بتحاول تجر خطوتها في الزحمة على قدام، عدى عيّل صغير وضحك وقال، "حوش اللي بيوقع منك". لولا كسوفه ما كانش رجع يلملم خيوط الرمل المتسرب وراه من السكة بإيديه.

لما وصل عتب المقام الأخضر، رمى حمله على الأبواب. النور وريحة المسك والبخور استقبلوه من جوّه، فجأة حسّ إنه اترفع في الهوا خفيف مفرود، خفيف طاير، واكتشف قد إيه أحماله كانت ضغطاه، وإنه أطول، وإنه أعرض، وإنه أوسع، وإنه منشور فوق المقام زيّ السما على الأرض. لولا حبّه العضم والمفاصل المربوطين كان زمانه اتبخر وما بقاش منه إلا حمله المركون على الباب.

أول خروجه الريح بخّت في عينه عفارها، تمتم بدعوة بإسم أم العواجز، واتوّكل على الخلّاق وشال السلّة من تاني، لولا إن جدر العصب انغرس في الأسفلت لحظة ما قام مهزوز كان جذعه انقطم واتدلدق الرمل الأسود من السلّة في كل مكان.