الخميس، أبريل ٢١، ٢٠١١

سلامات أخيره

-1-
بعد ألفين سنه، حَ تحكي علينا كراسي المطاعم ودكك المحطات.
وكل شئ تاني حَ يسكت كأنه ما حصلش وما لهوش وجود عندنا.

-2-
بكره فيه أثر من إمبارح ما بيروحش بسهوله
ما بيتمحيش زي الأسامي ع الرمل ما بتتمحي من موجة بحر.
..
إمبارح حرق. وشم فيه صورته وإسمه وعنوانه، وبكره بيت مسكون بأرواح من إمبارح.

-3-
كبيت أباريق دمع السنين الفاتيه،
ما كل السنين عيطت في الوداع وأكتر قبلنا.
وخدت الليل والنهار في أحضاني ونمت وياهم،
ونورت طريقهم بالشموع واللمض،
ما همَّ دايماً غربا في سفرهم زينا.

-4-
زي البخيل بأحوّش كلام كتير
لكن بأحوش نفسي
قبل ما أبعت جواب من الوحشة والتوحيش.

-5-
خفت قوي لما مشيت ولاقيت خيالك عدي ورا ضهري كأنه ما يعرفنيش.

-6-
ما ليش في السرير مطرح
ما ليش في البيت مكان
ولا حتى كرسي في قهوه
ما ليش..
واقف بره دنياكي في ليل المطره
بردان ومبلول ومستني
تاكسي المرواح.

-8-
زيّ أول مقابله، كان نفسي أسألك وقت السلام الأخير.. "إسمك .. إيه؟".. !

-9.025302345-
افتراقنا كان انكسار صوره في مرايه مشروخه .. ومش أكتر.

-10-
في ليل عين شمس أو زحمة الملك فيصل كان صدري بيعبي الهوا بسواد دخانه، القاهرة كلها منسيّه تحت تسع طبقات من مستنقعات قطران، والضلمه تحت أبديّه لولا المآذن واقفه وحيده زي أبراج لاسلكي ساكته بتطفي وتنوّر وتطفي وتنوّر.
...
مصير الماشي يقف ويتأمّل.. لسّه فاكر ليله ما شفت العدرا في عينيكي، كانت بصر وبصيره، كان جلالك من جلال شمس فتّحت في عيني نهار، والقاهره اتغسلت عشانك ولبست توبها القديم، والساعه قصرت وطالت، والدنيا وسعت وضاقت.
...
راجع على سريري من غير نوم، وفي راسي ليله ساكته زي أبراج لاسلكي بتنوّر وتطفي وتنوّر وتطفي.

-0-
أصعب عشر دقايق
همَّ عشر دقايق
يروح فيها كل إحساس بالدفا وينسحب
بعدهم باتسمّر في الأرض بحقيقه بارده ومخيفه
كأني كنت ماشي في شارع مضلّم بأغني ومتوّنس بنفسي
وفجأه صوتي اتحبس !

-1111111111-
ساعه الحصار
يبان كل شئ مقاوح ضدي زي صخر في وش نحّاته
افتكرت نفسي أسير الفشل والضعف
وعملت نفسي ميّت ونطقت الشهاده
لكن عدت نسمه نفخت فيَّ رقتها وقوتها
وصححت الروح من تاني.

-12-
أنا كنت يونس ابن الهلاليه
وبقيت يونس ابن متّى النبي.

-13-
والحياه لما تراضيني تبقى في الرقّة متناهيه
زي الطبطبه بعد العرق والمكاسب والخساير.

-14-
فيه خيط نور من بعد غيم
نفس مريح من بعد خنقة
نبض خفيف من قبل موت
..
فيه لسّه روح.

-15-
ومفيش مشاكل
ما النهار زيّ المشارط
مشارط جراحين
شفرة سلاح
فِ إيد مجانين
أما الليل
قطن وشاش وقزازة يود شبه خلصانه !

-16-
ممكن أفوّت القطر اللي على الرصيف دلوقتي
وأستنى اللي جاي بعده
عشان أشرب شاي بلبن في قهوة المحطه
وأتأمل شويه في وشوش المسافرين
وأسباب السفر.

-½16-
لحظه غريبه
تشبك في لحظه قديمه
يصحى اللي كان نايم
بحبّة زعل..
وخلاص.

الثلاثاء، أبريل ٠٥، ٢٠١١

علاقة

هبت نسمة باردة في وجهه من رصيف المحطة عندما انفتحت أبواب قطار المترو التي كان يقف خلفها تماماً، هبط من القطار تائهاً بعد أن اصطدم بالركاب الصاعدين والتفت يميناً ويساراً بحثاً عن المخرج.
كانت تفاجئه من حين إلى آخر أثناء محادثاتهما بسؤالها الهستيري "أنتَ مش حَ تسيبني لوحدي؟".
قدّر من المرّة الأولى علّة سؤالها المتكرر على الرغم من كم الابتذال الذي يحمله بسبب مباشرته ووضوحه، فإن مرورها بعدد لا بأس به من العلاقات الخائبة مع الرجال منذ أن بدأت في الإرتباط بهم نتج عنه خوفها المرضي من الفشل والانكسار الذي أرغمها على استباق أحداث بينهما بمثل هذه الأسئلة.
كان يعجب كيف لإمراة مثلها تخشى الإخفاق كل هذه الخشية؟ لأنه ظن أنها ستكون أقل رهاباً من اللواتي لم يجربن الارتباط بالرجال من قبل، حيث أنها ستكون أكثر دراية بأسباب فشل التجارب العاطفية، ثم توصل إلى أنها ربما دخلت أغلب علاقاتها حاملة فوق ظهرها تاريخها الثقيل الذي لا تراه إلا أسوداً ولم تعتبر شيئاً إيجابياً مما مضى عليها، بل ربما كان سبب إخفاقها الأول هو أنها أدخلت تجربة إحدى صديقاتها الفاشلات في تجربتها الأولى، وربما كان سبب فشل الأخيرة منها سؤالاً كهذا.. لا أحد يدري، فكل هذه التصورات تبدو ساذجة ومضحكة !..
لكن الحقيقة الآنية أنه قد بدأ يضيق بذعرها هذا، والحقيقة التالية أنه قد خطر له بالفعل أن يتركها، لأن جروحها القديمة أصبحت تثير قلقه وتوتره حيال علاقتهما وتهدد بقاءهما معاً، بنفس القدر التي تدفعه إلى التمسك بها لأكثر من سبب، منها افتتانه الأول وانجذابه تجاهها، ومنها رغبته القوية في حمايتها من ضعفها، وإحساسه الداخلي بالواجب الإنساني العام، لذا كان يعهد إلى نفسه مسؤلية إحساسها بالطمأنينة.
كان يعلم إن أسئلة مباشرة مثل "أنت لسه بتحبني؟" و"أنتَ مش حَ تسيبني لوحدي؟" لا تصلح معها إلا الإجابات الحاسمة والصادقة، ولا يجدي التهرب منها داخلياً أو خارجياً. لكنه وجد في كل هذه الأسئلة نتيجة استفهامية واحدة أنه إذا كان بالفعل يحبها ولا يريد أن يتركها، فلماذا ينزعج من السؤال؟
قطع رنين جرس الهاتف المحمول في جيبه أفكاره، كان هي المتصلة، أجاب شارد البال، وأنهى المكالمة بكلماتٍ مقتضبة سريعة.
*
سارا متقاربين في مشية بطيئة متجهين إلى الميدان الواسع. كان الصمت سائد بينهما طوال الطريق، وكلاهما غارقاً في أفكاره الخاصة عن الآخر بعد لقاء فاتر.
عندما وصلا إلى بداية الشارع المظلم، ثبتا في مكانيهما لحظة لأن أضواء كل أنوار الدكاكين والمحلات وأعمدة الإضاءة العمومية في الجانب الآخر من الميدان غشيتهما فجأةً كإبر دقيقة توخز أعينهما بقوة، وارتفعت كل ضوضاء الميدان إلى أذنيهما صارخة من ضغط الضجيج.
ثم راحت الأضواء والضوضاء تخفت تدريجياً.

الاثنين، مارس ٠٧، ٢٠١١

Another Yellow Brick Road


تحت تحت. زلزال فوق الأرض زيّ حبّة رز بتتنطط فوق سطح طبلة. انهيار الدور السابع عَ السادس. الدور التاسع متعلق لوحده في السما! الهروب! الهبوط من قمّة تلال الخراب وأطلاله الرومانسية! يوتوبيا مقلوبة على ضهرها، راسها في التراب ورجليها في الريح زيّ روايات جول فيرن. ما عديتش على الكباري، كل عواميدها قش! مفيش طريق للخروج من المدينة، كل بواباتها اتقفلت! باحفر تحتي، احفر احفر لحد ما أوصل الطرف التاني من الأرض. تحت تحت تحت زيّ الخلد احفر.

الاثنين، فبراير ١٤، ٢٠١١

بوسة

أمرتنى أمي أن أصعد لأبلة (سامية)، كي أقضى عندها وقتاً حتى يتسنى لأمي الذهاب إلى الطبيب، كنت أشعر بالسعادة لأن (إيمان) إبنة أبلة (سامية) التي تكبرني بثلاثة أعوام سوف تجالسني هذه المرة، فقفزت إلى أحضان أمي وقبلتها. قالت لي قبل أن أخرج من باب الشقة، "ما تتشاقاش، هه؟".
تسلقت السلم درجة درجة ممسكاً بالحاجز الحديدي، وضوء النهار يسقط من أعلى حتى أسفل السلم، أكملت صعودي ثم توقفت عند الباب لاهثاً، طرقته طرقة خفيفة ثم تراجعت. فتحت لي أبلة (سامية)، كانت ترتدي ثوباً منزلياً باهت اللون، رحبت بي ودعتني للدخول، وسألتني في لطف "بقى عندك كَم سنة دلوقت؟"، أجبتها "سبعة ونص"، وبينما كنت أعبر طريقي إلى غرفة (إيمان) سمعت أصواتاً تعلو، فالتفت التفافة خفيفة ورأيت عمّ (عبد الباقي) في غرفة الجلوس مع رجل آخر، أكملت سيري نحو الغرفة، طرقت بابها مرتين قبل أن أسمع صوت إيمان يهتف "أدخل".
وجدت (إيمان) واقفة في منتصف الغرفة كأنها تنتظرني، قالت لي "تعالى اقعد يا حسين"، ثم تركتني وخرجت من الغرفة وجذبت الباب وراءها. كانت غرفتها الصغيرة منظمة، يتوسطها سرير عريض وسجادة حمراء مستديرة، ودولاب ملابس عريض يغطي أحد حوائط الغرفة، تقف فوقه عدة دمى. فكرت أنني عندما أعود إلى غرفتي سوف أرتبها مثلما رأيتها ترتبها من قبل. كنت أحب مجالسة (إيمان) لي، حيث أنها كانت الأقرب إلى سني، ونادراً ما رفضت اللعب معي، ومشاركتي القصص التي كنت أرويها لها.
عادت إيمان تحمل صندوقاً مغلقاً. لاحظت أنها متجهمة، وضعت الصندوق فوق السجادة، حاولت أنا نزع غطاءه ولم أفلح، ففتحته هي، وأخرجت منه بعض الألعاب الصغيرة والدمى، وجلست أفكر بماذا نلعب هذه المرّة، قلت لها "تحبي تلعبي بإيه؟"، قالت شاردة البال "أي حاجة"، فعدت أخيّرها حتى أجعلها تنتبه "تحبي تاخدي البنت والولد وأنا أرتب العيال على الكراسي؟"، كررت بنفس شرودها "أي حاجة"، صحت فيها، فأخذت الدميتين من يدي بعنف ووضعتهما أمامها، شعرت بالحزن، عدت للبحث عن ما تبقى من الألعاب والدمى التي أخرجتها، وبينما كنت أبحث داخل الصندوق وقعت يدي طائر خشبي دقيق الهيئة بلا رأس، هتفت من الإعجاب "الله ! حلو قوي .. بس فين بقيته ؟"، أجابت ضجرة "بابا كسرها"، فتشت داخل الصندوق عن بقية الدمية حتى وجدت الرأس، أخذت جسد الطائر ثم جمعته برأسهِ لكنه لم يلتصق فيه، اعترضتني (إيمان) بصوتٍ حزين "ما تحاولش.. مش هيتصلّح"، فكرت قليلاً وأنا أنظر إلى الطائر، ثم أخذت أحاول إصلاحه بطرقٍ عديدة حتى استطعت ثبيت رأس الطائر في جسده والتئم جزءا الدمية ببعضهما.
اختطفت (إيمان) الطائر من بين يدي في سعادة، ثم رفعته عالياً وحركته يمنى ويسرى في وضع الطيران ثم ضمته إلى صدرها، اتسعت ابتسامتها على شفتيها، كم سعدت لحظتها بنظرات الفرح التي كانت تغمر بها طائرها الخشبي، ظلّت تردد عبارات الشكر والعرفان قائلة "أنا أحب اللعبة دي قوي"، ثم أخرجت قطعتين من الحلوى المغلفة وأهدتهما إليَّ، في تلك اللحظة شعرت بالخجل من امتنانها ولم أدر كيف أجيبها، فاقتربت منها وقبلتها على وجنتها سريعاً أثناء انشغالها باللعب بطائرها، أدارت وجهها إليَّ في ذهول بينما كنت أعود إلى موضعي السابق بجانبها، وأخفضت وجهي إلى الأرض، سكن كل شئ للحظات، وشعرت بالخطر في هذا السكون، ثم سمعتها تقول بصوتٍ مبحوح "هأقول لماما" وانطلقت تجري خارجة من الغرفة، قفزت خلفها لكنني لم أستطع اللحاق بها فبقيت في مكاني خائفاً، فكرت دقيقةً بالتسلل خارج الشقة، لكن أمي لم تعد بعد من عند الطبيب، شعرت بالرهبة وظللت في مكاني على الأرضية خائفاً، هل ستخبر والديها؟
سمعت صوت أبلة سامية ورنين أواني معدنية تسقط، فاقتربت من باب الغرفة، ورأيت (عم عبد الباقي) يقطع الصالة إلى المطبخ ووراءه الرجل الآخر الذي كان جالساً معه، تراجعت إلى طرف السرير والتصقت به، لم أعرف ماذا يحدث ؟، ولا أعلم لِمَ تخبر إيمان أهلها؟!
مرّ وقتاً حتى دخل الرجل الغريب عليَّ الغرفة، انحنى وأمسك ذراعي بقوة وجذبني كي أقف، جلس على المقعد وأنا بين يديه، نظر إليَّ بحدة من فوق إطار نظارته ثم سألني، "إسمك إيه يا حبيبي؟"، أجبت برهبة:
-حسين
- بابا فين يا حسين؟
- .. مسافر
أطلق زفرة حارة وصمت قليلاً، ثم سألني:
- أنتَ عارف أنا مين ؟
هززت رأسي أن "لا"، فقال،"أنا خال إيمان"، ثم أضاف:
- أنتَ عارف إن اللي عملته ده غلط؟
- أنا متأسف.. ما كانش قصدي يا عمّو.. هي اديتني البونبوني وأنا كنت بأشكرها.. أء..
قاطعني لائماً، "أنت عارف إنه ما يصحش الولاد يبوسوا البنات؟"، لم أعرف كيف أجيبه، أبعدت نظري عن وجهه بينما كانت الأصوات القادمة من خارج الغرفة تعلو أكثر، سمعت عمّ (عبد الباقي) ينادي الخال، "يا مصطفى.. يا مصطفى"، صاح الخال، "أيوه"، ثم نهض تاركاً إياي وخرج مغلقاً الباب خلفه بقوة، هدأت الأصوات مرّة واحدة، ظللت صامتاً مترقباً ما سوف يحدث، مضت الدقائق وأنا أنظر إلى الباب المغلق والملابس المعلقة فوق المشجب، كنت أود الخروج من هنا، اتجهت إلى الباب، لم أجرؤ على فتح باب الغرفة وإلقاء نظرة خارجه، نظرت من ثقب المفتاح فلم أرى إلا كنبات غرفة الجلوس شاغرة، وضعت أذني على الباب وأرهفت السمع فلم أسمع شيئاً، كأنه لم يعد هناك أحد بالمنزل، التقطت الطائر الملقى على الأرض بينما كنت أعود إلى المقعد، تذكرت القبلة الخاطفة، وفكرت في أمي، ماذا سوف تقول وتفعل إذا أخبروها بما حدث؟، انتظرت عودة أمي بصبرٍ نافد، أخفيت وجهي بين يديَّ، ثم تطلعت إلى الباب مرّة أخرى.