الأحد، يناير ١٦، ٢٠١١

الحَكّة

كلما سمع أقداماً تصعد أو تهبط الدرج، قفز من السرير، حتى يبدو عليه أنه كان مستعداً للمغادرة. لم يعد إلى السرير هذه المرة، فقد كرهه بعد أن بقى فيه ساعات الليل والنهار كلها لا يفعل شيئاً إلا أن يحملق في السقف، ظل واقفاً عند النافذة يتأمل في بلادة الأضواء المنبعثة من الأعمدة القريبة وأصحاب المتاجر الجالسين عند أبواب متاجرهم والسيارات العابرة والمارة، لم تكن في يده ساعة يتعرف بها على الوقت، لكن انطلاق أذان المغرب أثار توتره، حكّ رأسه بقوة مفكراً، أزعجه أرق الليلة الماضية، قلّب فكرة النوم في خاطره مرة أخرى، لكنّه إن لم يغادر الآن فسوف يقع شجارٌ عنيفٌ بينه وبين شريكه في الشقة.
ترك النافذة ودخل دورة المياه حيث التقط قميصه الكالح، امتعض لاتساخ بدنه من كثرة النوم والإستيقاظ حتى أصابته الحكّة في أماكن عدّة، تثاءب وفكر في نوبة استحمام سريعةٍ، وبينما كان ينزع قميصه مرة أخرى، سمع طرقات سريعة عالية، أفزعته، جحظت عيناه، وأمسك أنفاسه، شلّت أطرافه، وتأهب متحفزاً، سمع أقداماً بطيئة تصعد الدرج وأخرى سريعة تهبطه، ارتدى قميصه على عجل، ثم تأكد من إغلاق الباب، مرت دقيقة بطيئة صامتة لا يُسمع فيها إلا ضربات قلبه القوية المتسارعة، ثم تمالك نفسه أخيراً وخرج مديراً عينيه الجاحظتين في أرجاء الشقة، لم يجد أحداً غير الضوضاء الصاعدة من الشارع.
أراد أن يشرب كوب شاي واحد يهدئه قبل المغادرة، وضع البراد تحت حنفيّة الماء وفتحها، وجد أن المياه مقطوعة عن الشقة كلها، وتذّكر أن شريكه أغلق المحبس بالدور الأرضي قبل ذهابه إلى العمل، حتى يرغمه على الرحيل بعد أن فصل من عمله وانقطع عن دفع نصيبه في الإيجار لشهورٍ عديدة، أعاد التفكير في احتمالات صعوده في كل لحظةٍ تمر، سرت في جسده رعشة لمرور ذلك الخاطر في عقله، ربما يستطيع التوسل إليه لأن يبقى يوماً آخراً، جاب الردهة القصيرة المؤدية إلى الغرفة فارجاً ساقيه وهو يحك النيران المشتعلة ما بين فخذيه متردداً بين البقاء والمغادرة، عاد إلى السرير حيث سحب حذاءه، تقدم تجاه الباب في خفة وفتحه، هبط الدرج حذراً، ثم قفز خارج المنزل إلى الشارع العمومي مسرعاً حتى يتجنب مصادفته في الطريق.
فى شارع الرئيسي أحس الليل حاراً ولزجاً، دس سيجارة بين شفتيه، وظل يمشى بها سليمة، أوقف أحد العابرين وأشعل سيجارته، سحب أنفاساً متلاحقة، تنهد بارتياح، طوّح ساقيه في جهة نهاية الشارع إلى النيل، سأل نفسه هل يستطيع العودة إلى الشقة لالتقاط ما تبقى من أشياءه؟، لكنه لم يجد إجابة واضحة داخله. عند الكورنيش، عشاق وأزواج متراصين مثل الأشجار التي يجلسون حولها، وكوبري ممتد حتى الضفة الأخرى من النيل يحمل فوقه مئات السيارات، جلس على أحد المقاعد الشاغرة، ثم خلع حذاءه ووضعه بجانب المسند كيلا يسرقه أحد، ومدد جسده على المقعد وأسند قمة رأسه إلى المسند ورقبته فوق الحذاء واضعاً ذراعه فوق عينيه حاجزاً ضوء الشارع البرتقالى عنهما.
مرت الدقائق تليها الساعات وهو يقف فوق الحاجز الذي يفصل بين اليقظة والنوم، يغفو ويفيق، تضايقه همسات المحبين وخلافاتهم، شرطى يتحدث فى جهازه اللاسلكى، ولا يكف عن إصدار التوجيهات وإرسال الضحكات السمجة، أطفال يلاحقون بعضهم البعض بثيابهم المتسخة حول مقعده ويتقاذفون فيما بينهم مخلفات الشارع، زقزقة العصافير على الأغصان، الحرارة والرطوبة التى تجعل الجو كالصمغ، لم يصدق أنه قد نام حقاً إلا عندما استفاق تماماً وأدرك أن الوقت صار فى آخر ساعات الليل.
استقام فوق المقعد، تثاءب طارداً النعاس، فك صدر قميصه، مرر يده فوق عنقه وصدره اللذان يغمرهما العرق، ظل يحكّ جسده بأظافره الطويلة ثم قام من مكانه، تساءل لماذا شعر بالقلق وأحسّ كأن شريكه يراقبه أثناء نومه؟، نزل الدرج الصغير حيث النيل والقوارب المعقودة إلى الشاطئ، قفز إلى واحد منهم، كان يعرف أحد أبناء أصحاب هذه القوارب، وجد صاحب القارب العجوز يجلس مقوس الظهر على حافة قاربه، التفت العجوز وراءه ليرى القادم، فألقى السلام عليه، لكنه لم يرد عليه سلامه، لاحظ أن العم العجوز يمسك بين يديه كوباً من الشاى، التفت جواره فوجد البراد على نار الموقد الصغير يغلى وعدّة الشاى بجانب الموقد، سأله عن ابنه، فأشار إليه برأسه حيث القارب الذى يضج منه أغنية شعبية وتتراقص أضواءه باهتزاز القارب يمنةً ويساراً من رقص ركابها جميعهم عليه.
حضّر شاياً لنفسه، أمسك بالكوب من قاعدته، وسحب سيجارة من جيب قميصه، أشعلها من نار الموقد، ثم وقف على حافة القارب المهتز، شرد قليلاً وقلب فكرة فى نفسه، انحنى ووضع الكوب الذى لم ينتهى منه، وسحب نفساً أخيراً من سيجارته ثم أطفأها في قاع الكوب، نزع قميصه وبقى ببنطاله الجينز، وانحنى مرة أخرى على الماء ومسح ذراعيه ورقبته وصدره العارى بالماء البارد، ثم استعد في وقفة مستقيمة وقفز فيه، غاص للحظات ثم ظهر على سطح الماء، اقترب من القارب، وفرك كتفيه ونحره عدة مرات، شعر براحةٍ وبخدرٍ لذيذٍ يتسلل إلى أصابع أقدامه، مدّ ذراعه وانطلق يعوم، ويعوم مع تيار النهر المظلم، والعجوز يراقبه بعينين ناعستين.

الثلاثاء، ديسمبر ٠٧، ٢٠١٠

شجرة جديدة في شارع الجمهورية

كنت عاوز أقولك:
بكره .. الزمن حَ يحليكي ما بين صيف وربيع. من هنا ورايح الناس مش حَ تشوفك إلا شجره ذكيه وجميله، رقيقه ونشيطه، تطرح سنه لمون، وسنه برتقان. وأنا وأنتِ بس الوحيدين اللي عارفين سرّك، رحلتك من ضلمة الطين لضيّ الشمس، الأيام العاصفه البارده، والأيام الرايقه الدافيه. حَ يحتار اللي يشوفك في أولك وآخرك ويتشابك في أغصانك بغيّره ومحبّه. مع إن الحكاية بسيطة جداً، لها بذرة في بطن الأرض قبل ما تفرّع جذور وأوراق وتبقى إسمها شجره على إسمك.
بعد بكره .. الزمن حَ يقلب شتا وخريف، والصُفره تزحف على ورقك، والعَجَز يدبّ في قشورك. ساعتها ما لكيش عَزا في نفسك غير بذره تحت الأرض شالت في قلبها سِرّ حياتك وسِرّ مواتك.

الجمعة، نوفمبر ٠٥، ٢٠١٠

مشهد

كانت دمائي تلوث كل شئ حولي، بنطالي وقميصي والسرير وثيابها والمنشفة التي كانت تجفف صدري العاري بها. كانت تريد إكمال مهمتها لكنني لم أستطع تحمل ألم مرور يدها بالمطهر فوق الجُرحين العريضين اللذان يشقان أعلى بطني، أمسكت معصمها بقوة قبل أن تصل إليهما وقلت لها "كفى!". مضت دقيقة وهي تحاول تخليص معصمها وتنظر بشفقة في عينيَّ المشتعلتين بنار جروحي الدامية، أفلت يدها ثم نهضت لأقف أمام المرآه، أخرجت رباطاً مطاطياً طويلاً من جيبي وشرعت في ربطه حول صدري من أجل إخفاء الجرحين. التصق صدرها بظهري وظهر وجهها في المرآه فجأةً، كانت تريد أن تساعدني في ضبط وضع الرباط على الجرحين، أحكمته كيفما اتفق وتركتها وحدها أمام المرآه.
كان الألم يخترق رئتيَّ ومعدتي، والرباط يضغط صدري كلما حاولت التنفس بعمق. رائحة الدماء تزكم أنفي حتى شعرت أنَّ حوائط الغرفة هي الأخرى تنزف دماءً مثل صدري، وفكرت أن هذان الجرحان يحتاجان إلى هواءٍ آخر نقي للشفاء خارج هذه الغرفة.

الأربعاء، أكتوبر ٢٠، ٢٠١٠

شتاء السويس 1965

سلّم الأب العامل على ابنه بعد أن استلم الطعام المحمول إليه من البيت، ثم جذبه من ذراعه وأشار باتجاه الشارع المظلم المقابل لبوابة المصنع وقال "الطريق اللي عايز ترجع منه طويل ومحتاج عربيّة الشغل .. ده أقصر"، وأوصاه قائلاً "ما تخافش، أنتَ كبرت .. سلّم على الحاجة وأمك واخواتك"، ثم غادره عائداً إلى عمله.

بدأ الإبن سيره بخطوات ثقيلة مترددة. تذكر ما قالته أمه أن هناك أرواحاً شيطانية تسكن الشارع منذ وقت الحرب، وأنها هي التي خرّبت كل محاولات البلدية لإنارته، "كان لازم تنسى عشاك النهاردة يابّا؟".
غطي أنفه بيده مخففاً من استنشاقه لرائحة الأوحال الكريهة التي تناثرث في الطريق، وبقع شحم عربات النقل والسيارات التي تلوث جوانبه، حاول أن يشغل عقله في أي شئٍ آخر بعيداً عن طريقه المقفر، فيما سيفعله عندما يصلّ إلى المنزل، "العشا وكوباية الشاي السخنة والسرير وغطا تقيل يدفيني". فكّر في الطريق الآخر الذي يحبه ويحب أعمدة الإضاءة الساهرة فيه، وما أن جاءت صورة الأعمدة في خياله، حتى أضاءت الأعمدة ثم انطفئت مرة واحدة، تصاعد الخوف إلى حلقه، هرول مسرعاً أكثر.
سمع نباح كلاب يتردد في الأرجاء، التفت حوله في كل جانب حتى وجدهم، كان ثلاثة منهم قابعين على الأرض ينظرون إليه بأعينٍ باردة، وثلاثة آخرين يقفون متأهبين كأنهم كانوا بانتظاره، أبطئ قليلاً في مشيه، وراح يعض لسانه من الخوف، شعر كأنهم يتعقبونه بخطوة بخطوة، وتخيل أحدهم يقفز ناهشاً لحمه إذا ما حاول أن ينحني لإلتقاط بعض الحصى، تملّك الفزع قلبه، ولم يجد بُداً من الفرار، أخذ يجري ممسكاً أنفاسه، انطلقت الكلاب خلفه وهي تنبح، تعثّر في حجر وكاد أن يقع على وجهه.

صرخ الأخ الواقف في أخيه الذي انكمش أمامه لاهثاً:
"أنتَ إيه أخرّك؟ .. أمك قلقانة في البيت وأنا تلّجت في مكاني مستنيك .. مالك واقف كده ليه؟".
اتسعت عيناه ذهولاً لمّا رأى المياه تتدفق في حوض بنطال أخيه.